كتبت حنين أبو عمر: لطالما شكل شهر رمضان فرصة ذهبية لإنعاش الأسواق وتعزيز الروابط الاجتماعية في فلسطين، إلا أن تجار رام الله يستعدون هذا العام لموسم بيع متواضع وسط توقعات بانخفاض الطلب وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين أكثر، يأتي هذا في ظل أزمات اقتصادية تفاقمت بعد الحرب، مع استمرار القيود الاسرائيلية المشددة على الحركة والتنقل، مما أدى إلى عزل المدينة وقتل النشاط التجاري.
بناء على ذلك، اضطر العديد من التجار إلى تقليص مشترياتهم استعدادًا لرمضان القادم،حيث أجمع معظم التجار على أن الحواجز العسكرية وتراجع القوة الشرائية جعلا موسم رمضان بلا زبائن تقريبًا، يقول يونس، تاجر ملابس في رام الله: “قبل الحرب، كنا نستورد كميات كبيرة استعداداً لرمضان، العام الماضي مع الحرب كانت خسارتنا فادحة، بضاعتنا تلفت ولم يشترها أحد، لن أكرر خطأي هذا العام، فأنا لا أتوقع إقبالاً كبيراً”، وفي هذا الإطار يؤكد سامي، تاجر نثريات منزلية: “في الأعوام الماضية كنا نستورد حاويات كاملة من البضائع، هذا العام اقتصرنا على بضعة أكياس فقط”.
تأتي هذه التجهيزات المتواضعة في ظل أزمات اقتصادية متعددة، أبرزها ارتفاع تكاليف الشحن والقيود الاسرائيلية على استيراد البضائع، حيث تحتجز إسرائيل الكثير من البضائع الفلسطينية في الميناء لفترات طويلة، ما يجبر التجار على دفع مبالغ عالية للتخليص الجمركي وأرضية التخزين، يوضح سامي، وهو تاجر نثريات منزلية: “كانت تكلفة شحن الحاوية الواحدة 2000 دولار، لكنها ارتفعت إلى 6000 وأحيانًا 10,000 دولار، مما جعلنا أمام خيارين: إما تحمل الخسائر أو رفع الأسعار، لكن الناس بالكاد يستطيعون الشراء”. ونتيجة لذلك، شهدت الأسواق ارتفاعًا غير مسبوق في الأسعار، ما زاد من العبء الاقتصادي على المواطنين.
في ظل هذه الظروف، تبدو توقعات التجار لرمضان القادم قاتمة، يونس يقول: “ما لم يحدث تغيير جذري، فإن رمضان القادم سيكون أكثر صعوبة، فالوضع الاقتصادي لا يتحسن بل يزداد سوءًا، وهذه تراكمات يصعب إزالتها بسهولة”. ويقارن البعض رمضان الماضي برمضانات ما قبل الحرب، حيث كان فرصة لتعافي الاقتصاد الفلسطيني، وفترة يزداد فيها الطلب على مختلف السلع. يوضح أبو علي: “كان رمضان أفضل موسم لنا، حيث يشتري الناس كل شيء، كنت أعوض به خسارتي على مدار العام”.
لم تقتصر الأزمة على التجار فقط، بل امتدت لتشمل آلاف العمال الذين فقدوا مصدر رزقهم بعد الحرب، مما زاد من ضعف القوة الشرائية في الأسواق، وأيضاً، مع استمرار إسرائيل في اقتطاع أموال المقاصة وتأثير ذلك على تأخير واقتطاع رواتب الموظفين الحكوميين، تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل كبير وأثر على السيولة المالية في السوق، يوضح أبو علي، بائع بقوليات وتوابل: “كان الزبون يشتري بـ 100 شيكل مثلاً، أما الآن فهو بالكاد ينفق 20-25 شيكل، وعلى الضروريات فقط، قدرة الناس الشرائية تراجعت بنسبة 80%، وبعض زبائني لم أره منذ بداية الحرب”. وتعقيباً على تجهيزاته لرمضان قال:”لن أشتري أي بضائع لرمضان، لا يوجد سيولة، لا معي ولا مع الزبائن، لن أغامر”. كما أدى فقدان الوظائف إلى تدهور أوضاع العائلات، حيث تقول ليلى، وهي ربة منزل: “زوجي كان يعمل في الداخل المحتل، لكنه فقد وظيفته بعد الحرب. الآن نعتمد على مدخراتنا، لكنها على وشك النفاد. نعيش بربع الميزانية التي كنا ننفقها سابقًا، ولا مجال لشراء أي شيء غير أساسي”، وأضافت: “نحاول الصمود، لكن إلى متى؟ مدخراتنا تنفد، والأسعار ترتفع، ورمضان هذا العام لن يكون كما عهدناه”.
على صعيد متصل، فقد التجار الأمل في أي انتعاش اقتصادي، هذا الواقع دفع العديد من التجار إلى بيع بضائعهم بسعر التكلفة فقط لتغطية نفقاتهم، في ظل هذه الأزمة غير المسبوقة، تلاشت آمال الانتعاش الاقتصادي في رمضان القادم، الذي كان يُفترض أن يكون موسمًا للرخاء الاقتصادي والاجتماعي، لكنه تحول إلى كابوس اقتصادي من الكفاح من أجل البقاء.